أنا قلق… وأمضي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، ليس هذا مقالاً يطلب منك التفاؤل — بل مقالٌ يسألك: هل أنت تشكو أم تسكن في شكواك؟ نفس وتفكير · قراءة ١٥ دقيقة · مقال معمّق
أريدك أن تتوقف لحظة وتفكّر.
هل تعرف شخصًا يشكو كثيرًا؟ يلعن الحكومة والبلد والجيران والطقس وفراشةً طارت في الاتجاه الخطأ؟ وحين تسأله بعد أشهر — تجده في المكان نفسه، يشكو من نفس الأشياء، بنفس الحدة، كأن شيئًا لم يتحرك.
وربما — إن كنتَ صادقًا مع نفسك — تعرف هذا الشخص جيدًا.
هذا المقال ليس دعوةً للتفاؤل الزائف ولا لإنكار الألم. الألم حقيقي. والظلم موجود. والحياة صعبة أحيانًا بشكل لا يُطاق.
لكن السؤال ليس: هل أنت محقٌّ في شكواك؟
السؤال هو: ماذا تفعل الشكوى بك؟
أولاً
التفريغ — حين تكون الشكوى دواءً
ثمة فرق جوهري يغيب عن كثيرين حين نتحدث عن الشكوى والتشاؤم.
التفريغ العاطفي — أي الكلام عن الألم ومشاركته — حاجةٌ إنسانية حقيقية. حين تمرّ بضغط شديد أو جرح عميق، ويجلس أمامك إنسانٌ يسمعك دون أن يحكم عليك — فهذا يُشفي. علم النفس يُثبت ذلك، والقرآن يُشير إليه حين يحكي عن يعقوب عليه السلام وهو يقول:
﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ﴾
سورة يوسف — الآية ٨٦
يعقوب لم يُنكر حزنه. لم يتظاهر بالقوة. شكا — لكنه شكا لمن يملك الإجابة.
هذا النوع من التفريغ يُخفّف الحمل ويُريح النفس، ثم يدفع صاحبه للأمام.
ما قاله أحد المتأملين في هذا الموضوع
«قد يكون الكاتب المتشائم في حياته الواقعية ما زال يحاول ويحاول — وكتابته ليست إلا تفريغًا لما بداخله. وقد تشعر فئة من القراء بأنهم ليسوا وحدهم، وأن غيرهم يعاني نفس المعاناة.»
هذا صحيح. وهو بُعدٌ مهم لا ينبغي إغفاله.
لكن ثمة سؤالٌ يظل معلّقًا: متى ينتهي التفريغ ويبدأ الإدمان؟
«الحزن الذي لا يُفضي إلى شيء — يُفضي إلى مزيد من الحزن.»
— من تأملات في علم النفس الوجودي
ثانياً
حين تُصبح الشكوى هوية
في مقالٍ سابق تحدثنا عن الإدمان — وكيف أنه ليس ضعفًا في الإرادة، بل هروبٌ من ألم لم يُعالَج.
الشكوى المزمنة تعمل بالآلية ذاتها تمامًا.
حين يتفرّغ الإنسان من نفس الألم كل يوم — من نفس الإحباط، من نفس الظلم، من نفس المصدر — ويعود إليه في اليوم التالي ليتفرّغ مجددًا دون أن يتغير شيء — فهو لا يتعافى. هو يُعيد إنتاج ألمه ليبقى على قيد الحياة.
الفكرة الجوهرية
الشكوى المزمنة هي عقدٌ ضمني يبرمه الإنسان مع نفسه دون أن يدري:
«طالما أنا أشكو — فأنا غير مسؤول عن النتيجة. الخطأ في الحكومة. في البلد. في الأقدار. في تلك الفراشة التي أحدثت الإعصار.»
وهذا العقد مريحٌ جدًا. لأن البديل — أن تتوقف عن الشكوى وتبدأ بالتحرك — يعني أن تتحمّل المسؤولية. وهذا أصعب بكثير.
ثمة أناسٌ جعلوا من مظلوميتهم هويةً كاملة. لو زالت المشكلة — لما عرفوا كيف يكونون. الألم صار وقودهم الوحيد، وبيتهم الذي لا يغادرونه.
وليس في هذا إدانةٌ لهم — بل هو فهمٌ حقيقي لما يجري. الإنسان لا يختار الألم وعيًا، لكنه أحيانًا يختار البقاء فيه.
«لم نكن يومًا نبحث عن اللذة حين أدمنّا — كنا نبحث عن طريقة للهروب من الألم.»
— د. عماد رشاد · كتاب «ممتلئ بالفراغ»
إن وجدتَ في هذه الكلمات ما يخصّك — فربما يخصّ أحدًا تعرفه أيضًا.
ثالثًا
«أنا غنيٌّ ومتوترٌ وقلق»
سمعتُ مرةً عن رجل سُئل: كيف حالك؟
فأجاب: «غنيٌّ ومتوتر وقلق.»
الجملة قصيرة. لكنها تحمل حكمةً كاملة.
الرجل لم يقل: أنا بخير. ولم يقل: الحياة جميلة. قال الحقيقة — أنا قلق ومتوتر. لكنه أضاف شيئًا واحدًا غيّر المعنى كله: وأنا مع ذلك أتحرك.
من يُدمن الشكوى
«أنا خائفٌ — إذن لن أتحرك حتى يزول الخوف.»
ينتظر يومًا لا قلق فيه ولا خوف — ذلك اليوم لا يأتي.
من يتحرك رغم الألم
«أنا خائفٌ — وأتحرك على أي حال.»
القلق لا يمنعه، لأنه يعرف أن القلق لن يزول بالانتظار.
الفرق ليس في حجم الألم. كلاهما يتألم. الفرق في ما يفعله الإنسان وهو يتألم.
التوتر والقلق ليسا عدوّيك. التوقف هو عدوّك.
تشير بعض الدراسات في علم الأعصاب :
القلق والخوف يُنشّطان في الدماغ نفس المناطق التي تُنشّط الحماس والتحفيز. الفرق ليس في الكيمياء — بل في التأويل الذي يُعطيه الإنسان لما يشعر به.
الرياضي قبل المباراة والممثل قبل العرض والمتحدث قبل الخطاب — كلهم يشعرون بنفس الاضطراب. الفرق أن بعضهم يُسمّيه «خوفًا» فيتجمّد، والآخرين يُسمّونه «استعدادًا» فيتحركون.
«إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ»
— سورة الرعد — الآية ١١
رابعًا
الشكوى الصادقة — متى تكون مشروعة؟
قبل أن نختم، ثمة تمييزٌ ضروري.
ليست كل شكوى إدمانًا على الألم. وليس كل ناقدٍ للحكومة أو المجتمع شخصًا يحبّ دور الضحية.
ثمة فرقٌ جوهري بين:
الناقد الواعي
يرى مشكلةً حقيقية، يُسمّيها بوضوح، ثم يسأل: ما الذي يمكنني فعله؟ قد لا يملك الحل كله — لكنه يتحرك بما يملك.
المدمن على الشكوى
يرى نفس المشكلة، يُكررها يوميًا، لكنه لا يسأل أبدًا: ما الذي يمكنني فعله؟ لأن السؤال نفسه يُخيفه — إذ إن الإجابة ستُلقي عليه مسؤولية لا يريدها.
والفرق بين الاثنين لا يكمن في الكلام — بل في ما يأتي بعد الكلام.
«ليس الشجاع من لا يخاف — بل من يخاف ويمضي.»
— نسب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه
خامسًا
شيءٌ واحد صغير — والباقي يأتي
لن أقول لك: «كن إيجابيًا» — فهذه جملةٌ فارغة لا تساوي الحبر الذي كُتبت به.
ولن أقول: «الحياة جميلة» — فأنت تعرف جيدًا أنها ليست كذلك دائمًا.
ما سأقوله هو هذا:
الحياة لن تقف عليك. الدنيا تمضي بك أو دونك. ومهما لعنتَ وشتمتَ وأطلتَ التشكي — لن تتوقف الساعة لتسمعك.
لكن شيئًا واحدًا صغيرًا تفعله اليوم — خطوةٌ واحدة، قرارٌ واحد، كتابٌ تفتحه، مهارةٌ تتعلّمها — هذا الشيء يتراكم. ببطء، دون ضجيج، دون أن تلاحظه أحيانًا. لكنه يتراكم.
وبعد أشهر — أو سنين — ستنظر خلفك وترى مسافةً قطعتها وأنت تتذمّر وتقلق وتخاف. لم تنتظر حتى يزول الخوف. تحرّكتَ وهو معك.
هذا هو الفرق الوحيد بين من يصل ومن لا يصل.
الشكوى لن تُغيّر شيئًا.
لكنَّ الصمت أيضًا لن يفعل.
ما يُغيّر الأشياء هو الحركة —
الخائفة، المتوترة، غير المتأكدة من نفسها.
الحركة التي تقول:
«أنا قلقٌ — وأمضي على أي حال.»
مقالٌ واحد يستحق وقتك — في الإنتاجية، والنفس، وما يربط القرآن بالحياة.
اشترك مجانًا ولا تفوّت القادم.
زكاة العلم نشره — أرسل هذا المقال لمن تظنّ أنه يحتاجه. ✦
ولا تنسُ الدعاء لأبي بالرحمة والمغفرة ولكم المثل .



و كيف اتعامل مع الشخص كثير الشكوى،، حتى اصبحت جزء من ممارسات حياته؟